ملحمة "خيخون" 1982:
حين قتلت المؤامرة حلم الصحراء وغيرت وجه اللعبة
القصة الكاملة لليلة التي تأهل فيها الكبار بالخزي.. وخرجت الجزائر برأس مرفوعة غيرت قوانين التاريخ!
فجر الهوية: ثورة في ملاعب إسبانيا
لم يكن صيف عام 1982 في إسبانيا مجرد تظاهرة رياضية عابرة بالنسبة للجزائر، بل كان تجلياً سيادياً لبلدٍ يحتفل بالذكرى العشرين لانتزاع استقلاله من براثن الاحتلال الفرنسي . في ذلك التوقيت، كانت كرة القدم في الوجدان الجزائري أداة للمقاومة؛ فجذور هذا المنتخب تمتد مباشرة إلى فريق جبهة التحرير الوطني الذي تأسس عام 1958 كفعل من أفعال السيادة قبل وجود الدولة ذاتها .
سوسيولوجياً، كانت البطولة تعكس اختلالاً هيكلياً ظالماً في موازين القوى الدولية؛ إذ كانت القارة الأفريقية بأكملها (29 دولة) تتصارع على مقعدين فقط، بينما مُنحت أوروبا 14 مقعداً . وسط هذا الإجحاف، شق "ثعالب الصحراء" طريقاً شاقاً بنظام خروج المغلوب، تُوّج بإسقاط "جبابرة" نيجيريا بنتيجة تاريخية (4-1) . دخلت الجزائر البطولة وهي تحمل كبرياء شعب لا ينكسر، لتجد نفسها في مجموعة الموت بجانب ألمانيا الغربية، والنمسا، وتشيلي .
زلزال خيخون: انحناء "المانشافت"
قبل انطلاق صافرة البداية، سيطرت سيكولوجية الاستعلاء الرياضي على المعسكر الألماني بشكل فج . المدرب "يوب درفال" صرح بتبجح أنه سيعود في أول قطار إلى ميونيخ إذا خسر، ورفض حتى عرض أشرطة فيديو لمباريات الجزائر على لاعبيه لأنهم "سيسخرون منه" ! بل وتفاخر اللاعبون بإهداء الهدف السابع لزوجاتهم والثامن لكلابهم، وأنهم سيلعبون "بسيجار في أفواههم" .
لكن الرد الجزائري كان زلزالاً جيوسياسياً مدوياً. في الدقيقة 54، سجل رابح ماجر الهدف الأول، وبعد تعادل رومينيغه، جاء الرد الصاعق عبر لخضر بلومي بعد دقيقة واحدة فقط، لتنتهي المباراة بنتيجة تاريخية (2-1) ! العالم الذي انبهر بمراوغة "الغراف" لصالح عصاد، كان يشهد ولادة ما سيُعرف لاحقاً بـ "الإيلاستيكو" (Elastico)، وهي اختراع جزائري خالص أذهل بيليه وبيكنباور . لقد كان هذا الانتصار أول فوز أفريقي على عملاق أوروبي، محطماً أساطير التفوق العرقي والرياضي في آن واحد .
سيناريو السقوط المرتب: كواليس مباراة العار
وضع النظام النقطي القديم والجدولة السيئة الجزائر في ثغرة قاتلة . فبعد فوز الجزائر على تشيلي (3-2)، كان على ألمانيا والنمسا اللعب في اليوم التالي وهما يعرفان النتيجة المطلوبة تماماً لإقصاء الجزائر: فوز ألمانيا بنتيجة (1-0) أو (2-0) . وفي 25 يونيو 1982، حدث الجرم المشهود الذي لخصته الأرقام كدليل جنائي للتواطؤ الفج :
لمدة 80 دقيقة، شهد العالم "لا-لعباً" مخزياً؛ تمريرات عرضية وقتل فاضح للوقت وسط صافرات استهجان الجمهور الإسباني الذي صرخ بحرقة: "الجزائر.. الجزائر" . المعلق الألماني "إيبرهارد شتانييك" طالب المشاهدين بإغلاق التلفاز من الخزي، بينما وصفت الصحافة الإسبانية المباراة بـ "الأنشلوس" (El Anschluss)، في إشارة تاريخية مريرة لعملية ضم النمسا إلى ألمانيا النازية، ونشرت صحيفة "إل كوميرسيو" تقرير المباراة في صفحة "الجرائم" !
الفضيحة كشفت عن وجه عنصري قبيح؛ حيث خرج "هانس تشاك"، رئيس الوفد النمساوي، بخطاب مقزز يتهكم فيه على الاحتجاجات الجزائرية قائلاً إنها صادرة عن أبناء الصحراء الذين لا يملكون ما يكفي من المدارس، مستنكراً أن يظن شيخ قادم من واحة أن له الحق في الكلام بعد 300 عام من الغياب عن التاريخ !
الكبرياء فوق المؤامرة: الإرث الخالد
لكن الرد الجزائري جسد النضج الأخلاقي في أبهى صوره. بينما كان المشجعون يرمون الأوراق النقدية في الملعب تعبيراً عن الرشوة، كان لاعبونا يراقبون المشهد بهدوء كلي . وكما صرح شعبان مرزقان لاحقاً: "لم نكن غاضبين، بل شعرنا بالفخر لأن قوى عظمى اضطرت لتدنيس سمعتها وإهانة نفسها لمجرد إقصاء الجزائر" .
ورغم تواطؤ "فيفا" بصمته نظراً لأن نائب رئيس الاتحاد الدولي كان هو نفسه رئيس الاتحاد الألماني لكرة القدم، إلا أن الجزائر لم تخرج كخاسر، بل كـ "شهيد" أنقذ عدالة اللعبة . فمن رحم هذه الخيانة ولدت القوانين الجديدة؛ إذ أجبرت الفضيحة الفيفا على إقرار قاعدة توحيد توقيت مباريات الجولة الأخيرة في دور المجموعات، وهو القانون الذي يحمي نزاهة اللعبة حتى يومنا هذا . سحقت الأرقام والمؤامرات الحلم، لكن خُلدت أسماء الجيل الذهبي (ماجر، بلومي، عصاد، دحلب) في ذاكرة الإنسانية كأبطال غير متوجين، تأهلوا هم بالخزي.. وخرجت الجزائر برأس مرفوعة غيرت قوانين التاريخ للأبد .
