ديدييه دروغبا:
ملحمة "الفيل" الذي روّض المستحيل وأوقف الحرب
القصة الكاملة للهداف المرعب الذي قهر حصون أوروبا، وجثا على ركبتيه لينقذ وطنه من الدمار!
اللحظة التاريخية: صرخة أوقفت الرصاص
تخيل معايا المشهد.. الثامن من أكتوبر سنة 2005، ساحل العاج بتتأهل لأول مرة في تاريخها لكأس العالم بعد الفوز على السودان . الأجواء في البلد كانت مشحونة بحرب أهلية طحنها الرصاص لمده 3 سنين . لكن جوه غرفة اللبس، ديدييه دروغبا ميروحش يفتح زجاجات الاحتفال، بل يمسك مايك التلفزيون الوطني ويجثو على ركبتيه مع زملائه في لقطة تقشعر ليها الأبدان !
دروغبا وجه نداء لا يمكن نسيانه: "سامحوا، سامحوا.. ضعوا أسلحتكم ونظموا الانتخابات" . الصرخة دي كانت بمثابة إطفاء لحرائق القلوب، واستجاب المحاربون فوراً لنداء "ابن الشعب" وألقوا السلاح . اللحظة دي أثبتت إن الرياضي لما يتسلح بالوعي بيتحول لقوة ناعمة تخرس البنادق، وخلت مجلة "تايم" تختاره لاحقاً ضمن أكثر 100 شخصية نفوذاً في العالم .
الجذور العصامية: النضج المتأخر في الغربة
- اتولد ديدييه في أبيدجان سنة 1978، وفي سن السادسة سافر لفرنسا تحت وصاية عمه اللاعب المحترف "ميشيل غوبا" . طفولته هناك مكنتش نزهة، بل كانت طفولة باردة وموحشة في شقق الضواحي الضيقة بعد ما عيلته هاجرت بسبب الأزمات السياسية .
- دروغبا مطلعش من أكاديميات فاخرة زي لاماسيا، بل كان نموذجاً للاعب "العصامي المتأخر"؛ وقع أول عقد احترافي مع "لومان" وهو في سن العشرين ! السن ده متأخر جداً، لكنه خلاه يتدرب لوحده ويصنع لنفسه صلابة ذهنية وجسدية مرعبة عشان يقاتل في دوريات الهواة .
الانفجار الكوني: من غانغان إلى عرش مرسيليا
في 2002 انضم لنادي "غانغان"، وهناك خضع لعملية "إعادة تصميم بدني" شاقة، لدرجة إن مدرب اللياقة كان بيسوق عجلته ودروغبا بيجري وراه عشان يلحق به ! النتيجة؟ سجل 17 هدفاً وأنقذ الفريق . وبعدها في 2003 انتقل لـ "أولمبيك مرسيليا" ليفجر القارة بالكامل؛ سجل 30 هدف في موسم واحد وقادهم لنهائي كأس الاتحاد الأوروبي، وبقى تأثيره في المدينة يشبه تأثير مارادونا في نابولي . الكاريزما دي هي اللي خلت "الرجل الخاص" جوزيه مورينيو يطلبه بالاسم في تشيلسي .
"في صيف 2004 انتقل لتشيلسي بـ 24 مليون إسترليني، والكل شكك في الصفقة، لكن مورينيو قال جملته الشهيرة: لا تحكموا عليه الآن، بل احكموا عليه عندما يغادر! وغادر دروغبا وهو الملك الأوحد لستامفورد بريدج."
ملك النهائيات وليلة ميونيخ الإعجازية
دروغبا مع تشيلسي بقى كابوس المدافعين، لدرجة إن وحوش زي ريو فرديناند وجيمي كاراغر كانوا بيترعبوا من قوته البدنية الشاملة وقدرته على حجز الكرة والتسديدات اللولبية . اتسمى بـ "ملك النهائيات" لأنه سجل 10 أهداف في 10 نهائيات خاضها !
والذروة كانت ليلة 19 مايو 2012 في ميونيخ ضد البايرن على أرضهم؛ في الدقيقة 88 طار في السماء وسجل رأسية قاتلة عادلت النتيجة، وبعدها دخل بكل برود وسجل ركلة الجزاء الحاسمة اللي جابت لتشيلسي أول لقب دوري أبطال في تاريخهم ! جوه غرفة اللبس، مسك الكأس وفضل يكلمها لـ 15 دقيقة ويعاتبها لإنها استعصت عليه في موسكو وبرشلونة قبل ما ينحني ليها في مشهد أسطوري .
الإرث الإنساني والترحال العالمي
بعد لندن، راح لـ "غلطة سراي" التركي وقفزت أسهم النادي في البورصة فور توقيعه واكتسح البطولات هناك، ثم انتقل لأمريكا مع "مونتريال إمباكت" وسجل 11 هدف في أول 11 ماتش، واختتم مسيرته وهو في سن الأربعين مع "فينيكس رايزينج" كلاعب وشريك في ملكية النادي !
لكن عظمة دروغبا الحقيقية كانت برا الملعب؛ أسس "مؤسسة ديدييه دروغبا" وتبرع بعقد إعلاني كامل قيمته 3 ملايين إسترليني لبناء مستشفى في مسقط رأسه أبيدجان، وبنى مدارس ووفر عيادات متنقلة . دروغبا عاش حياته محارب بالأقدام وصانع سلام بالقلب، عشان يثبت للعالم كله إن كرة القدم لما تتوفر ليها روح القيادة بتقدر تعمل اللي بتعجز عنه السياسة .
